المعلم و تاريخه

إذا كان من المؤكد أن الجامع الكبير يعد من المساجد الألفية بالبلاد التونسية وهو ما تقطع به شهادة البكري (ت 487/1094) وفيهــا يقــول :" وبها ( أي باجة ) جامع متقن البناء قبلته سور المدينة " (2) فإن قداسة المكان أعرق في التاريخ وأضرب بجذورها في عمق الزمان ، إذ أقيمت هذه المنشأة الدينية الإسلامية فيما يذهب إليه الأب نو ( 3) على أنقاض كنـيسة سابقة وبأحجارها وهي الفرضية التي تجد كثيرا من مدعماتها في الأخبار التي احتفظت بها الذاكرة الشعبيـة وتداولتها الأجيال المتعاقبة بخصوص هذا المعلم وتحديدا انطلاقا من فترة تجديده ، وتتمحور حول " وجود كنيسة تحت الجـــامع " (؟) وهي أسطورة قد وجدت منبعها في طبيعة الاكتشافات الأثرية التي وقف عليها البناءون في أوائل هذا القرن إبان أشغال التجديد التي طالت المبنى بالكامل ، كما تجد هذه الفرضية ذاتـها كثـــيرا مــن الــمشروعيــة فـي الشواهـد المتنوعة والنقائش المختلفة التي تم العثور عليها بهذا الفضاء الروحي ومحيطه خلال القرن الماضي ، تلك التي ما يزال عدد منها ماثلا بشكل خاص في الفناء والسقيفة والواجهة الخارجية الغربية (4) وتثبت أن هذا الجامع قد كان بالتأسيس معبدا وثنيا ، معبدا لتالوس (TELLUS) ، تم الفــراغ مــن تــجديده عام 2 ق.م في عهد القنصلين أغسطس (Auguste) وبلوطيوس سيلفانوس (Plautius Silvanus) وإليه تنتمي تيجان الأعمدة الموجودة اليوم بمصلى الجنائز على الأرجح ثم معبدا لسيراس (Ceres) آلهة الفلاحة اللاتينية شملته ترميمات عام 197م على عهد الإمبراطور سبتيموس سافاروس (Septime Severe)، وتحول المعــبدان في تاريخ غير محدد ولكنه بالتأكيد قديم الى كنيسة كبرى ( بازيليك Basilique) احتاجت إلى أعمال صــيانة وترميـم بين عامي 365 و 375 م في عهد الإمبراطورين فالانس (Valens) وفالانسينيان (Valentinien) ، دمــرها الــوندال عــام 480 م ولن يعاد تشييدها من جديد مثلما هو الشأن بالنسبة إلى القلعة والأسوار إلا عام 533 م على يد الكونت باولوس Paulus وبتعليمات من الإمبراطور جوستينيان (Justinien) . وستظل هــذه الكنيســـة الكــبرى قائمة شأنها شأن الوجود الديني المسيحي بالبلد وضواحيه (5) حتى صدر العهد الفاطمي لما دمرتها خلال العقد الرابع من القرن الرابع للهجرة قوات الثائر الخارجي" أبي يزيد المعروف بصاحب الحمار إبان اجتياحها للمدينة في مناسبتين عام 325/934 و 334/943 ليرثها الجامع العتيق الحالي الذي ابتناه الأمير إسماعيل المنصـــــــــــور ( 334/946- 341/953) الخليفة الفاطمي الثالث بإفريقية .

وهكذا تشاء المصادفات التاريخية أن يظل هذا الفضاء مقدسا ، قد تتغير الخلفية العقائدية وتتبدل ، قد تكون وثنية وقد تكون توحيدية ، قد تكون مسيحية ، وقد تغدو إسلامية ولكن عمقها يظل واحدا : الإنسان في بحثه عن سر الوجود وسعيه إلى التماهي مع المطلق والفناء في المفارق .

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

Sample Widget